حيدر حب الله
478
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الملفّ الثاني اختلاف الحديث وتأسيس نظرية التعارض العتيدة أشرنا سابقا إلى أن ظاهرة اختلاف الحديث ، والتي بات يصطلح عليها مؤخرا بالتعارض ، غزت مصادر الحديث الشيعية على نطاق واسع منذ عصر النص - شيعيا - وقد ذكرنا شواهد تدلّ على عمق تأثير هذه الظاهرة حتى غدت سببا في إعراض جماعة عن المذهب الإمامي إلى غيره ، وكان تأليف الطوسي ( 460 ه ) لكتاب الاستبصار هادفا للحدّ من بشاعة ما توحيه هذه الظاهرة ، فكانت قاعدته قائمة - عمليا - على التوفيق بين النصوص حتى لو بدا هذا التوفيق بعيدا عن ظواهر الكلام ومدلولاته العرفية . والسبب في تأسيس الطوسي ما يمكننا تسميته بالتوفيق التبرّعي ، أي غير القائم أحيانا على معايير معقولة في نظام اللغة والدلالة ، أنه كان يريد - كما تؤكده مقدمة الكتاب - الخلاص من أزمة التعارض الضاربة في الحديث الشيعي ، وعندما يدخل إنسان مثقل بحسّ كهذا مجال تفسير النصوص فمن الطبيعي أن تظهر معه تأويلات تطوّع النص لصالح إيديولوجيا تحكم التعامل معه . وإذا كانت ظاهرة « الاستبصار » قد غزت الحياة الشيعية تبعا لمكانة الطوسي ، حتى استمرّت طريقة الطوسي في الجمع حاضرة لقرون عديدة ، ليس أدلّ على ذلك من حضورها في كتاب « وسائل الشيعة » بعد سبعة قرون على الأقل ، إلا أن العقل الشيعي اتجه تدريجيا - لكن ببطء - ناحية قوننة عمليات التوفيق والحل . لكن الشيء الذي لمسناه - بالتأكيد - على صعيد هذا الأمر الهام والخطير في حياة الحديث الشيعي هو أن الحقبة المتأخرة مثلت عصر ازدهار قوننة التعارض ومنهجة عملية التعامل معه ، لم يكن علم الدراية الشيعي قد استوعب هذا الموضوع بالدرس والتحليل حتى عصرنا الحاضر ، لكن أصول الفقه الشيعي أخذ الموضوع بجدية ، وخصص له قسما هاما وضعه آخر مباحث هذا العلم ( قبل خاتمة الاجتهاد والتقليد التي بدأت بالزوال مؤخرا ، لانتقالها إلى الدرس الفقهي بعد تأليف كتاب العروة الوثقى الذي غدا المادة الفقهية التي تدور من حولها اجتهادات علماء الشيعة ) ، وقد جعل بعضهم - كصاحب الكفاية - مبحث التعارض جزءا من الدراسات الأصولية « 1 » ، فيما جعله فريق آخر تحت عنوان
--> ( 1 ) - حيث اعتبره المقصد الثامن من كتاب كفاية الأصول : 495 .